المقريزي
67
تاريخ اليهود وآثارهم في مصر
وحيّات تطير وترجع في الهواء ، وتنحدر على كلّ من حضر لتبتلعه ، فيتهارب النّاس منها ، وعصىّ تحلّق في الهواء فتصير حيّات برءوس وشعور وأذناب تهمّ بالنّاس أن تنهشهم ، ومنها ما له قوائم ، ومنها تماثيل مهولة . . وعملوا له دخنا تغشى أبصار النّاس عن النّظر فلا يرى بعضهم بعضا . . ودخنا تظهر صورا كهيئة النّيران في الجوّ على دوابّ يصدم بعضها بعضا ويسمع لها ضجيج ، وصورا خضرا على / دوابّ خضر . وصورا سودا على دوابّ سود هائلة ! ! فلما رأى فرعون ذلك سرّه ما رأى ، هو ومن حضره . . واغتمّ موسى عليه السلام ومن آمن به ، حتّى أوحى اللّه إليه . . . لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى * وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا . . . « 1 » وكان للسّحرة ثلاثة رؤساء . . ويقال : بل كانوا سبعين رئيسا . فأسرّ إليهم موسى : قد رأيت ما صنعتم ، فإن قهرتكم ، أتؤمنون باللّه . . ؟ فقالوا : نفعل . فغاظ فرعون مسارّة موسى لرؤساء السّحرة . . هذا والنّاس يسخرون من موسى وأخيه ويهزءون بهما . . وعليهما درّاعتان من صوف وقد احتزما بليف . . فلوّح موسى بعصاه حتّى غابت عن الأعين ، وأقبلت في هيئة تنّين عظيم له عينان يتوقّدان ، والنّار تخرج من فيه ومنخريه ، فلا يقع على أحد إلّا برص ، ووقع من ذلك على ابنة فرعون فبرصت . . وصار التنّين فاغرا فاه ، فالتقط جميع ما عملته السّحرة ، ومائتي مركب كانت مملوءة حبالا وعصيّا ، وسائر من فيها من الملّاحين ، وكانت في النّهر الّذى يتّصل بدار فرعون . وابتلع عمدا كثيرة ، وحجارة قد كانت حملت إلى هناك ليبنى بها . . ومرّ التنّين إلى قصر فرعون ليبتلعه ، وكان فرعون جالسا في قبّة على جانب القصر ؛ ليشرف على عمل السّحرة ، فوضع نابه تحت القصر ، ورفع نابه الآخر إلى أعلاه ، ولهب النّار يخرج من فيه ، حتّى
--> ( 1 ) سورة طه ، الآيتان ( 68 ، 69 ) .